الجزء 3
الشريعة للآجري
الصفحة 1076
بَابُ التَّحْذِيرِ مِنْ مَذَاهِبِ الْحُلُولِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ﵀: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ , وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمْ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُ إِخْوَانِي الْمُؤْمِنِينَ مَذْهَبَ الْحُلُولِيَّةِ الَّذِينَ لَعِبَ بِهِمُ الشَّيْطانُ فَخَرَجُوا بِسُوءِ مَذْهَبِهِمْ عَنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْعِلْمِ , مَذَاهِبُهُمْ قَبِيحَةٌ , لَا يَكُونُ إِلَا فِي كُلِّ مَفْتُونٍ هَالِكٍ , زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ ﷿ حَالٌّ فِي كُلِّ شَيْءٍ , حَتَّى أَخْرَجَهُمْ سُوءُ مَذْهَبِهِمْ إِلَى أَنْ تَكَلَّمُوا فِي اللَّهِ ﷿ بِمَا يُنْكِرُهُ الْعُلَمَاءُ الْعُقَلَاءُ , لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَلَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , وَإِنِّي لَأَسْتَوْحِشُ أَنْ أَذْكُرَ قَبِيحَ أَفْعَالِهِمْ تَنْزِيهًا مِنِّي لِجَلَالِ اللَّهِ ﷿ وَعَظَمَتِهِ , كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ﵀: " إِنَّا لَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ ثُمَّ إِنَّهُمْ إِذَا أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ سُوءُ مَذْهَبِهِمْ قَالُوا: لَنَا حُجَّةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَا الْحُجَّةُ؟ قَالُوا: قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] وَبِقَوْلِهِ ﷿: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] فَلَبَّسُوا عَلَى السَّامِعِ مِنْهُمْ بِمَا تَأَوَّلُوا , وَفَسَّرُوا الْقُرْآنَ عَلَى مَا تَهْوَى نُفُوسُهُمْ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا , فَمَنْ سَمِعَهُمْ مِمَّنْ جَهِلَ الْعِلْمَ ظَنَّ أَنَّ الْقَوْلَ كَمَا قَالُوهُ , وَلَيْسَ هُوَ كَمَا تَأَوَّلُوهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ: أَنَّ اللَّهَ ﷿ سُبْحَانَهُ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ , وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ , قَدْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَا , وَبِجَمِيعِ مَا فِي سَبْعِ أَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى , يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى , وَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ , وَيَعْلَمُ الْخَطْرَةَ وَالْهَمَّةَ , وَيَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ النُّفُوسُ يَسْمَعُ وَيَرَى , وَلَا يَعْزُبُ عَنِ اللَّهِ ﷿ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُنَّ , إِلَا وَقَدْ أَحَاطَ عِلْمُهُ بِهِ فَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ سُبْحَانَهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ , وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَرْفَعُونَهَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِيشْ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الْآيَةُ الَّتِي بِهَا يَحْتَجُّونَ؟ قِيلَ لَهُ: عِلْمُهُ ﷿ وَاللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ , وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِهِمْ , وَبِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ , كَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْآيَةُ يَدُلُّ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا عَلَى أَنَّهُ الْعِلْمُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ؟ قِيلَ: قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] وَابْتَدَأَ اللَّهُ ﷿ الْآيَةَ بِالْعِلْمِ , وَخَتَمَهَا بِالْعِلْمِ , فَعِلْمُهُ ﷿ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ , وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ , وَهَذَا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ