الجزء 2
حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب
الصفحة 312
كِتَابُ الزَّكَاةِ وَهِيَ لُغَةً النُّمُوُّ وَالْبَرَكَةُ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ يُقَالُ زَكَا الزَّرْعُ إذَا نَمَا وَزَكَتْ النَّفَقَةُ إذَا بِوَرِكِ فِيهَا وَفُلَانٌ زَاكٍ أَيْ كَثِيرُ الْخَيْرِ وَتُطْلَقُ عَلَى التَّطْهِيرِ قَالَ تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] أَيْ طَهَّرَهَا مِنْ الْأَدْنَاسِ وَتُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَدْحِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] أَيْ تَمْدَحُوهَا وَشَرْعًا اسْمٌ لِقَدْرٍ مَخْصُوصٍ مِنْ مَالٍ مَخْصُوصٍ يَجِبُ صَرْفُهُ لِأَصْنَافٍ مَخْصُوصَةٍ بِشَرَائِطَ سَتَأْتِي وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالَ يَنْمُو بِبَرَكَةِ إخْرَاجِهَا وَدُعَاءِ الْآخِذِ لَهَا وَلِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُخْرِجَهَا مِنْ الْإِثْمِ وَتَمْدَحُهُ حَتَّى تَشْهَدَ لَهُ بِصِحَّةِ الْإِيمَانِ. وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ لِهَذَا الْخَبَرِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
هِيَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْقَدِيمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ سَيِّدِنَا عِيسَى ﵇ ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١] وَقِيلَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَجُمِعَ بِأَنَّ الْأَوَّلَ بِالنَّظَرِ لِلْأَصْلِ وَالثَّانِيَ بِالنَّظَرِ لِلْكَيْفِيَّةِ وَالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ وَقَدَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّوْمِ وَالْحَجِّ مَعَ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنْهَا مُرَاعَاةً لِلْحَدِيثِ النَّاظِرِ إلَى كَثْرَةِ أَفْرَادِ مَنْ تَلْزَمُهُ عَلَيْهِمَا ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ لِأَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهَا وَهُوَ زَكَاةُ الْفِطْرِ يَلْزَمُ أَفْرَادًا كَثِيرَةً
قَوْلُهُ (وَهِيَ لُغَةً النُّمُوُّ) يَعْنِي أَنَّهَا فِي اللُّغَةِ لِأَحَدِ مَعَانٍ خَمْسَةٍ النُّمُوُّ وَالْبَرَكَةُ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ وَالتَّطْهِيرُ وَالْمَدْحُ وَأَدِلَّتُهَا مَا ذَكَرَهُ
وَانْظُرْ وَجْهَ ذِكْرِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ أَوَّلًا أَعْنِي النُّمُوَّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفْرَدَ الْمَعْنَيَيْنِ الْآخَرَيْنِ وَهُمَا التَّطْهِيرُ وَالْمَدْحُ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ لَمَّا كَانَتْ مُتَقَارِبَةَ الْمَعْنَى أَوْ مُتَّحِدَتَهُ جَمَعَهَا إشَارَةً لِذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُغَايِرٌ لِلْآخَرِ وَلِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ فَتَأَمَّلْ
قَوْلُهُ (أَيْ تَمْدَحُوهَا) أَيْ لَا تَمْدَحُوهَا عَلَى جِهَةِ الْإِعْجَابِ وَأَمَّا عَلَى جِهَةِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ فَحَسَنٌ قَوْلُهُ (وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ " وَسُمِّيَ " أَيْ الْقَدْرُ الْمَخْصُوصُ بِذَلِكَ أَيْ بِالزَّكَاةِ وَعِبَارَةُ م ر سُمِّيَ بِهَا ذَلِكَ لِأَنَّ إلَخْ
وَبَعْدَ هَذَا فَيُقَالُ هَذَا لَا يَشْمَلُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إلَّا أَنْ يُقَدَّرَ وَيُقَالَ أَوْ عَنْ بَدَنٍ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْمَالَ يَنْمُو إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ مَوْجُودٌ فِي الشَّرْعِيِّ
قَوْلُهُ (حَتَّى تَشْهَدَ لَهُ بِصِحَّةِ الْإِيمَانِ) لَعَلَّ حَتَّى تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَشْهَدُ إلَخْ أَوْ أَنَّهَا لِلْغَايَةِ أَيْ اسْتَمَرَّ تَطْهِيرُهَا وَمَدْحُهَا مُنْتَهِيًا إلَى أَنْ تَشْهَدَ إلَخْ وَهَلْ الْمُرَادُ الشَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِمَعْنَى أَنَّهَا أَمَارَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ أَوْ فِي الْآخِرَةِ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ حِينَئِذٍ حَقِيقَةً ذَكَرَهُ م د
قَوْلُهُ ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هَذِهِ الْآيَةُ مُجْمَلَةٌ لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُبَيِّنْ الْمَالَ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ وَلَا الْقَدْرَ الْمُخْرَجَ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ بَيَّنَتْ ذَلِكَ وَقِيلَ عَامَّةٌ وَقِيلَ مُطْلَقَةٌ وَالرَّاجِحُ هُنَا الْأَوَّلُ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَإِنَّ الرَّاجِحَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهَا عَامَّةٌ أَيْ كُلُّ بَيْعٍ إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْعِ الْحِلُّ
قَوْلُهُ (صَدَقَةً) مِنْ التَّصْدِيقِ لِأَنَّ دَافِعَهَا يُصَدِّقُ بِوُجُوبِهَا. اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ
قَوْلُهُ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» فِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخَمْسِ فَيَلْزَمُ بِنَاءُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ بُنِيَ