الجزء 91
شرح تفسير ابن كثير - الراجحي
الصفحة 10
تفسير قوله تعالى: (فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء:١٢] قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أي: تيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما وعدهم نبيهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء:١٢]، أي: يفرون هاربين ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ [الأنبياء:١٣]، هذا تهكم بهم قدراً أي: قيل لهم قدراً لا تركضوا هاربين من نزول العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة.
قال قتادة: استهزاء بهم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:١٣]، أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم.
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤]، اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥]، أي: ما زالت تلك المقالة وهي الاعتراف بالظلم هجيراهم حتى حصدناهم حصداً وخمدت حركاتهم وأصواتهم خموداً].
لا يفيد الاعتراف بعد نزول العذاب كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر:٨٦ - ٨٥] فإذا نزل العذاب لا يفيد الإيمان، ففرعون آمن لما نزل به العذاب، وهو الذي كان يقول للناس: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] فلما نزل به العذاب قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، لكن هذا لا يفيد فإذا نزل العذاب فقد انتهى الأمر.
وقوله: (هجيراهم) يعني: يلهجون بها.
وهذا فيه تحذير من الاستمرار على المعاصي؛ لأن الواجب على الإنسان ألا يستمر على المعاصي، بل يجب عليه أن ينتبه من غفلته ويتوب إلى الله ﷿ قبل أن تأتيه العقوبة؛ لأنها إذا نزلت فلا يفيد حينئذ الاعتراف.