الصفحة 195
تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
ولم يذكر ما يخاطبهم به الجاهلون للعلم بأن خطاب الجاهل أي السفيه لا يكون إلاّ سوءاً مما يمليه عليه جهله وسفهه.
ونصب ﴿سلاماً﴾ على أنه مفعول مطلق والتقدير: قالوا قولاً سلاماً، أي ذا سلام، فيشمل كل قول فيه سلامة من الأذى والمكروه: كسلام عليكم، ويغفر الله لكم، وسامحكم الله، ونحو ذلك.
أو نصب على أنه مفعول به، أي قالوا هذا اللفظ سلاماً نفسه.

المعنى:
يقول تعالى: وعباد الرحمن ومماليكه القائمون بحق العبودية له، هم أهل الرفق والسهولة الذين يمشون على الأرض هينين في مشيهم، وفي معالجتهم لشؤون الحياة، ومعاملتهم للناس لحلمهم وتواضعهم، غير مستكبرين ولا متجبرين، ولا ساعين في الأرض بالفساد.
وإذا خاطبهم السفهاء بما لا ينبغي من الخطاب قابلوهم بالحلم، وقالوا لهم: سلاماً، لأنهم سلموا من الجهل؛ فسلم المخاطب لهم من أن يجهلوا عليه ولو جهلوا؛ أو قالوا لهم من الكلام ما فيه سلامة من الأذى والمكروه.

الأحكام:
في الآية استحباب الرفق في المشي، وكراهية العنف والاضطراب؛ ومن العنف الضرب بالرجل والخفق بالنعل، فإذا كانا بعجب وخيلاء فهو حرام.
وفيها الإغضاء عن الجاهل ومقابلة كلمته السيئة بالكلام الحسن وكراهة مجاراته في خطابه ومماثلته، وإذا كان في ذلك فتنة أو مفسدة محققة كان حرامًا.

تمييز:
ليس من الهون في المشي التثاقل والتماوت فيه.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال لجماعة رآهم كذلك: «لا تميتوا علينا ديننا أماتكم الله».
وأن عائشة ﵂، رأت قوماً يتماوتون، فسألت عنهم؛ فقيل لها: هؤلاء قوم من القراء. فقالت: لقد كان عمر من القراء، وكان إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع.
وكان مشيه- ﵁ إلى السرعة خلقة لا تكلفاً. والخير في الوسط.
وليس هون المشي وحده يعرفك بأن صاحبه من عباد الرحمن، فرب ماش هوناً رويداً وهو ذئب أطلس (١). ولكن بالهون في المشي، وبما ذكرنا في فصل التراكيب والمعنى من لوازمه.
الحواشي:
(١) الذئب الأطلس: هو الذنب الأمعط الذي في لونه طلسة. والطلسة: الغبرة إلى السواد. انظر (المعجم الوسيط: [ص:٥٦١]).