الصفحة 591
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
الجزء 4
[١١٠] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [طه: ١١٠] الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ، أَيْ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا بين أيديهم وَمَا خَلْفَهُمْ وَمَا خَلَّفُوا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] قِيلَ: الْكِنَايَةُ تَرْجِعُ إِلَى (مَا) أَيْ: هُوَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ. وَقِيلَ: الْكِنَايَةُ رَاجِعَةٌ إِلَى (اللَّهِ) لِأَنَّ عِبَادَهُ لَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.
[١١١] ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أي ذَلَّتْ وَخَضَعَتْ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسِيرِ: عَانٍ، وَقَالَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ: هُوَ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَسِرَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، وَالظُّلْمُ هُوَ الشِّرْكُ.
[١١٢] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ﴾ [طه: ١١٢] قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ "فَلَا يَخَفْ" مَجْزُومًا عَلَى النَّهْيِ جَوَابًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمَنْ يَعْمَلْ) ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (فَلَا يخافُ) مَرْفُوعًا عَلَى الْخَبَرِ، ﴿ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَخَافُ أن يزداد على سيئاته لا أن يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يُنْقَصُ مِنْ ثَوَابِ حَسَنَاتِهِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ ذَنْبُ مُسِيْءٍ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: لَا يُؤْخَذُ بِذَنْبٍ لم يعمله وتبطل حَسَنَةٌ عَمِلَهَا، وَأَصِلُ الْهَضْمِ النَّقْصُ وَالْكَسْرُ، وَمِنْهُ هَضْمُ الطَّعَامِ.
[١١٣] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [طه: ١١٣] أَيْ كَمَا بَيَّنَّا فِي هَذِهِ السورة، ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ [طه: ١١٣] يَعْنِي أَنْزَلْنَا هَذَا الْكِتَابَ، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] يعني بلسان العرب، ﴿وَصَرَّفْنَا﴾ [طه: ١١٣] يعني بينا ﴿فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ [طه: ١١٣] أَيْ صَرَّفْنَا الْقَوْلَ فِيهِ بِذِكْرِ الوعيد، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] أَيْ يَجْتَنِبُونَ الشِّرْكَ، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] أَيْ يُجَدِّدُ لَهُمُ الْقُرْآنُ عِبْرَةً وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عتاب الله للأمم الخالية.

[قَوْلِهِ تَعَالَى فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ. . . .]
[١١٤] ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] جَلَّ اللَّهُ عَنْ إِلْحَادِ الْمُلْحِدِينَ وَعَمَّا يَقُولُهُ الْمُشْرِكُونَ، ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤] أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ جبريل بالقرآن يبدر فَيَقْرَأُ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ جِبْرِيلُ مِمَّا يُرِيدُ مِنَ التِّلَاوَةِ، وَمَخَافَةَ الِانْفِلَاتِ وَالنِّسْيَانِ، فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤] أَيْ لَا تَعْجَلْ بِقِرَاءَتِهِ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] أَيْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرَغَ جِبْرِيلُ مِنَ الْإِبْلَاغِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [الْقِيَامَةِ: ١٦] وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: (نَقْضِي) بِالنُّونِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِ الضَّادِ، وَفَتْحِ الْيَاءِ: (وحيه) بالنصب، وقال مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: مَعْنَاهُ لَا تُقْرِئْهُ أَصْحَابَكَ وَلَا تُمْلِهِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ مَعَانِيهِ، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] يَعْنِي بِالْقُرْآنِ وَمَعَانِيهِ. وَقِيلَ عِلْمًا إِلَى مَا عَلِمْتُ. وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ قال: اللهم زدني إيمانًا وَيَقِينًا.