الجزء 6
مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل
الصفحة 938
بِزَعْمِهِمْ قَالَ لَهُمْ لَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩]
[١٠] ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١٠] أَيْ مِنْ تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ، ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] أَيْ إِنَّمَا يُزَيِّنُ لَهُمْ ذَلِكَ ليحزن المؤمنين، ﴿وَلَيْسَ﴾ [المجادلة: ١٠] التناجي، ﴿بِضَارِّهِمْ شَيْئًا﴾ [المجادلة: ١٠] وَقِيلَ: لَيْسَ الشَّيْطَانُ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا، ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: ١٠] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» .
[١١] قَوْلُهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ [الْمُجَادَلَةِ: ١١] أَيْ تَوَسَّعُوا فِي الْمَجْلِسِ، قَرَأَ الْحَسَنُ وَعَاصِمٌ: فِي الْمَجَالِسِ لِأَنَّ الْكُلَّ جَالِسٌ مَجْلِسًا مَعْنَاهُ لِيَتَفَسَّحْ كُلُّ رَجُلٍ فِي مَجْلِسِهِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ (فِي الْمَجْلِسِ) عَلَى التَّوْحِيدِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَجْلِسُ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿فَافْسَحُوا﴾ [المجادلة: ١١] أوسعوا، يقول فَسَحَ يَفْسَحُ فَسْحًا إِذَا وَسَّعَ فِي الْمَجْلِسِ، ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] يُوَسِّعُ اللَّهُ لَكُمُ الْجَنَّةَ، وَالْمَجَالِسَ فيها، ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] أَيِ ارْتَفِعُوا، قِيلَ: ارْتَفِعُوا عَنْ مَوَاضِعِكُمْ حَتَّى تُوَسِّعُوا لِإِخْوَانِكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: مَعْنَاهُ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْهَضُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَإِلَى الْجِهَادِ وَإِلَى مَجَالِسِ كُلِّ خَيْرٍ وَحَقٍّ فَقُومُوا لَهَا وَلَا تُقَصِّرُوا، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١١] بِطَاعَتِهِمْ لِرَسُولِهِ ﷺ ﷺ وَقِيَامِهِمْ مِنْ مَجَالِسِهِمْ وَتَوْسِعَتِهِمْ لِإِخْوَانِهِمْ، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [المجادلة: ١١] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِفَضْلِ عِلْمِهِمْ وَسَابِقَتِهِمْ، ﴿دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] قَالَ الْحَسَنُ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ افهموا هذه الآية ولترغبنكم فِي الْعِلْمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] الْمُؤْمِنُ الْعَالِمُ فَوْقَ الَّذِي لَا يعلم درجات.

[قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ] فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً. . .
[١٢] قَوْلُهُ ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾ [المجادلة: ١٢] أمام مناجاتكم، ﴿صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَكْثَرُوا حَتَّى شَقُّوا عَلَيْهِ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَلَى نَبِيِّهِ وَيُثَبِّطَهُمْ وَيَرْدَعَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَدِّمُوا صَدَقَةً عَلَى الْمُنَاجَاةِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ, ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٢] يَعْنِي تَقْدِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُنَاجَاةِ، ﴿وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢] يَعْنِي الْفُقَرَاءَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَتَصَدَّقُونَ بِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُمْ.
[١٣] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبَخِلْتُمْ؟ وَالْمَعْنَى: أَخِفْتُمُ الْعَيْلَةَ وَالْفَاقَةَ إِنْ قَدَّمْتُمْ، ﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ [المجادلة: ١٣] مَا أُمِرْتُمْ بِهِ، ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] تَجَاوَزَ عَنْكُمْ وَلَمْ يُعَاقِبْكُمْ بِتَرْكِ الصَّدَقَةِ، وَقِيلَ: الْوَاوُ صِلَةٌ مَجَازُهُ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا تَابَ اللَّهُ عليكم تجاوز عنكم وخفف عنكم، وَنَسَخَ الصَّدَقَةَ.
قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ ثُمَّ نُسِخَ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: مَا كَانَتْ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] المفروضة، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣] الْوَاجِبَةَ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٣]
[١٤] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ تَوَلَّوُا الْيَهُودَ وَنَاصَحُوهُمْ وَنَقَلُوا أَسْرَارَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِمْ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] الْيَهُودَ، ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ لَيْسُوا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ في الدين والولاية وَلَا مِنَ الْيَهُودِ وَالْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النِّسَاءِ: ١٤٣] ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤] قَالَ السُّدِّيُّ وَمُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَبْتَلٍ الْمُنَافِقِ كَانَ يُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَرْفَعُ حَدِيثَهُ إِلَى الْيَهُودِ، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حجرة من حجراته إِذْ قَالَ: «يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبَّارٍ وَيَنْظُرُ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ " فَدَخْلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ