الجزء 1
تفسير الطبري جامع البيان - ت التركي
الصفحة 330
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِشِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى خَسِرُوا وَلَمْ يَرْبَحُوا، لِأَنَّ الرَّابِحَ مِنَ التُّجَّارِ الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَيْهِ بَدَلًا هُوَ أَنْفَسُ مِنْ سِلْعَتِهِ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَنِهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا بِهِ. فَأَمَّا الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ بَدَلًا دُونَهَا وَدُونَ الثَّمَنِ الَّذِي يَبْتَاعُهَا بِهِ فَهُوَ الْخَاسِرُ فِي تِجَارَتِهِ لَا شَكَّ. فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ لِأَنَّهُمَا اخْتَارَا الْحِيرَةَ وَالْعَمَى عَلَى الرَّشَادِ وَالْهُدَى وَالْخَوْفِ وَالرُّعْبِ عَلَى الْحِفْظِ وَالْأَمْنِ، فَاسْتَبْدَلَا فِي الْعَاجِلِ بِالرَّشَادِ الْحِيرَةَ، وَبِالْهُدَى الضَّلَالَةَ، وَبِالْحِفْظِ الْخَوْفَ، وَبِالْأَمْنِ الرُّعْبَ؛ مَعَ مَا قَدْ أَعَدَّ لَهُمَا فِي الْآجِلِ مِنْ أَلِيمِ الْعِقَابِ وَشَدِيدِ الْعَذَابِ، فَخَابَا وَخَسِرَا، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ