الصفحة 29
تفسير البغوي - طيبة
الجزء 6
﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ﴾ يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ ذَكَرَهُمَا بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ" (النِّسَاءِ-١١) أَيْ: إِخْوَانٌ. وَقِيلَ: "أُولَئِكَ مُبَرَّؤُونَ" يَعْنِي الطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبَاتِ مُنَزَّهُونَ، ﴿مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فَالْمَغْفِرَةُ هِيَ الْعَفْوُ عَنِ الذُّنُوبِ، وَالرِّزْقِ الْكَرِيمِ: الْجَنَّةُ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْتَخِرُ بِأَشْيَاءَ أُعْطِيَتْهَا لَمْ تُعْطَهَا امْرَأَةٌ غَيْرَهَا، مِنْهَا أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى بِصُورَتِهَا فِي سَرَقَةٍ (١) مِنْ حَرِيرٍ، وَقَالَ هَذِهِ زَوْجَتُكَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ أَتَى بِصُورَتِهَا فِي رَاحَتِهِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَأَسَهُ فِي حِجْرِهَا، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا، وَكَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ مَعَهَا فِي لِحَافِهِ، وَنَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَّهَا ابْنَةُ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَدِيقِهِ، وَخُلِقَتْ طَيِّبَةً، وَوُعِدَتْ مَغْفِرَةً وَرِزْقًا كَرِيمًا (٢) .
وَكَانَ مَسْرُوقٌ إِذَا رَوَى عَنْ عَائِشَةَ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِيقَةُ بِنْتُ الصَّدِيقِ حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمُبَرَّأَةُ مِنَ السَّمَاءِ (٣) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) ﴾
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ أَيْ: حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا [وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا] (٤) وَيَقُولُ: تَسْتَأْنِسُوا خَطَأٌ مِنَ الْكَاتِبِ (٥) . وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَأُ أُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَعْرُوفَةُ تَسْتَأْنِسُوا وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْذَانِ. وَقِيلَ: الِاسْتِئْنَاسُ طَلَبُ الْأُنْسِ، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ فِي الْبَيْتِ إِنْسَانٌ فَيُؤْذِنَهُمْ إِنِّي دَاخِلٌ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: الِاسْتِئْنَاسُ الِاسْتِبْصَارُ مِنْ قَوْلِهِ: آنَسْتُ نَارًا، أَيْ: أَبْصَرَتْ. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِتَسْبِيحَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ أَوْ يَتَنَحْنَحَ، يُؤْذِنُ أَهْلَ الْبَيْتِ.
وَجُمْلَةُ حُكْمِ الْآيَةِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بَيْتَ الْغَيْرِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ أَمِ السَّلَامَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: يُقَدِّمُ الِاسْتِئْذَانَ فَيَقُولُ: أَأَدْخُلُ سَلَامٌ
الحواشي:
(١) شقة حرير بيضاء، والجمع، سرق مثل: قصبة وقصب.
(٢) هذه المناقب التي ذكرها المصنف لأم المؤمنين عائشة ﵂، ثابتة بأحاديث صحاح، انظرها في: جامع الأصول لابن الأثير: ٩ / ١٣٢-١٤٣، كنز العمال: ١٢ / ١٣٣-١٣٨، الدر المنثور: ٦ / ١٦٨-١٧٠.
(٣) انظر: حلية الأولياء: ٢ / ٤٤.
(٤) ساقط من "أ".
(٥) انظر فيما سبق تعليقا: ٣ / ٣٠٩، ٣١٠.