الجزء 2
تفسير البغوي - طيبة
الصفحة 236
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) ﴾
﴿أَمْ لَهُمْ﴾ يَعْنِي: ألَهُمْ؟ وَالْمِيمُ صِلَةٌ ﴿نَصِيبٌ﴾ حَظٌّ ﴿مِنَ الْمُلْكِ﴾ وَهَذَا عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ، يَعْنِي: لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ مِنَ الْمُلْكِ شَيْءٌ، ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ لِحَسَدِهِمْ وَبُخْلِهِمْ، وَالنَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ وَمِنْهَا تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ نَقْرُ الرَّجُلِ الشَّيْءَ بِطَرَفِ أُصْبُعِهِ كَمَا يَنْقُرُ الدِّرْهَمَ.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ يَعْنِي: الْيَهُودَ، وَيَحْسُدُونَ النَّاسَ: قَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ الْعَرَبُ، حَسَدَهُمُ الْيَهُودُ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَمَا أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَقِيلَ: أَرَادَ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَجَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِالنَّاسِ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحْدَهُ حَسَدُوهُ عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالُوا: مَا لَهُ هَمٌّ إِلَّا النِّكَاحُ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وَقِيلَ: حَسَدُوهُ عَلَى النُّبُوَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْفَضْلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أَرَادَ بِآلِ إِبْرَاهِيمَ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَبِالْكِتَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَبِالْحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ فَمَنْ فَسَّرَ الْفَضْلَ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ فَسَّرَ الْمُلْكَ الْعَظِيمَ فِي حَقِّ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ ﵉ بِكَثْرَةِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ لِسُلَيْمَانَ أَلْفُ امْرَأَةٍ ثَلَاثُمِائَةِ حُرَّةٍ وَسَبْعُمِائَةٍ سُرِّيَّةٍ، وَكَانَ لِدَاوُدَ مِائَةُ امْرَأَةٍ (١) ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ سَكَتُوا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ يَعْنِي: بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَأَصْحَابُهُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ، ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ وَقُودًا، وَقِيلَ: الْمُلْكُ الْعَظِيمُ: مُلْكُ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ رَاجِعَةٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ زَرَعَ ذَاتَ سَنَةٍ، وَزَرَعَ النَّاسُ فَهَلَكَ زَرْعُ النَّاسِ وَزَكَا زَرْعُ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَاحْتَاجَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَكَانَ يَقُولُ: مَنْ آمَنَ بِي أَعْطَيْتُهُ فَمَنْ آمَنَ بِهِ أَعْطَاهُ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مَنْعَهُ.
الحواشي:
(١) قال ابن كثير في البداية والنهاية: ٢ / ٢٩ "وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة، وسبعمائة بمهور، وثلاثمائة سراري. وقيل: بالعكس: ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء". وروى الطبري عن السدي أنه كان لسليمان مائة امرأة. انظر: تاريخ الطبري: ١ / ٥٠٠.