الجزء 7
تفسير البغوي - طيبة
الصفحة 202
سُورَةُ الزُّخْرُفِ مَكِّيَّةٌ (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) ﴾
﴿حم﴾ ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أَقْسَمَ بِالْكِتَابِ الَّذِي أَبَانَ طَرِيقَ الْهُدَى مِنْ طَرِيقِ الضَّلَالَةِ، وَأَبَانَ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنَ الشَّرِيعَةِ.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قَوْلُهُ: "جَعَلْنَاهُ" أَيْ: صَيَّرْنَا قِرَاءَةَ هَذَا الْكِتَابَ عَرَبِيًّا. وَقِيلَ: بَيَّنَّاهُ. وَقِيلَ: سَمَّيْنَاهُ. وَقِيلَ: وَصَفْنَاهُ، يُقَالُ: جَعَلَ فُلَانٌ زَيْدًا أَعْلَمَ النَّاسِ، أَيْ وَصَفَهُ، هَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا" (الزُّخْرُفِ-١٩) وَقَوْلُهُ: "جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ" (الْحِجْرِ-٩١) ، وَقَالَ: "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ" (التَّوْبَةِ-١٩) ، كُلُّهَا بِمَعْنَى الْوَصْفِ وَالتَّسْمِيَةِ.
﴿وَإِنَّهُ﴾ يَعْنِي الْقُرْآنَ، ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. قَالَ قَتَادَةُ: "أُمُّ الْكِتَابِ": أَصْلُ الْكِتَابِ، وَأُمُّ كُلِّ شَيْءٍ: أَصْلُهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ، فَالْكِتَابُ عِنْدَهُ، (٢) ثُمَّ قَرَأَ "وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا"، فَالْقُرْآنُ مُثَبَّتٌ عِنْدَ اللَّهِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَمَا قَالَ: "بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ" (الْبُرُوجِ-٢١) . ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: يُخْبِرُ عَنْ مَنْزِلَتِهِ وَشَرَفِهِ، أَيْ: إِنْ كَذَّبْتُمْ بِالْقُرْآنِ يَا أَهْلَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا لَعَلِيٌّ رَفِيعٌ شَرِيفٌ مُحْكَمٌ مِنَ الْبَاطِلِ.
الحواشي:
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٧ / ٣٦٥ لابن مردويه، عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت بمكة سورة "حم" الزخرف.
(٢) أخرجه الطبري: ٢٥ / ٤٨، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٧ / ٣٦٦ لابن أبي حاتم. وانظر: السنة لابن أبي عاصم مع ظلال الجنة للألباني: ١ / ٤٨-٥٠.