الجزء 2
القسم الثالث من المعجم الأوسط للطبراني
الصفحة 790
وأما أَبو قِلَابَةَ وحده عَنْ أَيُّوبَ، فرواه عَنْه: حَمَّاد بْن زَيْد، وَوُهَيْب بْن خَالِد، وعَبْد الْوَهَّابِ الثقفي، ومَعْمَر. قال الطبراني في رواية أخري: لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيث عَنْ أَيُّوب، عَنْ حُمَيْد بْن هِلَال إِلَّا عُبَيْد اللَّه بْن عَمْرٍو، وَرَوَاهُ حَمَّاد بْن زَيْد وغَيْرُه، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وحْدَهُ. (¬١)

خامساً: التعليق علي الحديث:
قال ابن حجر ﵀: قَوْلُهُ: وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا: أَيْ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمُرَادُ أَنَسٍ بِذَلِكَ مَنْ نَوَى مِنْهُمُ الْقِرَانَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ أَيْ بَعْضُهُمْ بِالْحَجِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْعُمْرَةِ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. (¬٢)
قلت ـــــ الباحث ـــــ فقوله: يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا: أي يُهلون بالحج والعمرة معاً، وهذه المسألة فيها خلاف كبير بين العلماء فيما كان به النبي ﷺ محرماً؟ أكان مفرداً فأهل بالحج دون العمرة، ولم يهل مع صحابته بهما معاً فيكون النبي ليس مراداً في هذا الحديث، أم كان قارناً فأهل بهما معاً مع صحابته أم ماذا؟
فقال ابن حجر: وَالَّذِي تَجْتَمِعُ بِهِ الرِّوَايَاتُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ قَارِنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ أَهَلَّ بِهِ مُفْرِدًا لَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَا أَهَلَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا.
قلت: بينما ذهب الْبَيْهَقِيُّ إلي أَنه ﷺ كَانَ مُفرداً، ورد علي من ذهب إلي أنه ﷺ كَانَ قارناً بإجابات يطول المقام بذكرها، قال ابن حجر: وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ مِنَ التَّعَسُّف.
قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَارِنًا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ بَعْدَ الْحَجِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَانِ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: وَأَمَّا إِحْرَامُهُ هُوَ فَقَدْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ بِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهُ أَمَرَ بِهِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ فَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَلَّلْ وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ آخِرِ أَحْوَالِهِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمَّا جَاءَ إِلَى الْوَادِي وَقِيلَ لَهُ قُلْ عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ.
قال ابن حجر: وَهَذَا الْجَمْعُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَدْ سبق إِلَيْهِ قَدِيما ابن الْمُنْذر، وابن حَزْمٍ، والْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ، وحاصل هذا الاختلاف: أَنَّ كُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْإِفْرَادُ حُمِلَ عَلَى مَا أَهَلَّ بِهِ فِي أَوَّلِ الْحَالِ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّمَتُّعُ أَرَادَ مَا أَمَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَكُلَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ أَرَادَ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ بِأُمُورٍ مِنْهَا: أَنَّ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَغَيْرَهُ. وَرَوَى الْقِرَانَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَبِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ النَّقْلُ عَنْهُ مِنْ لَفْظِهِ أَنَّهُ قَالَ أَفْرَدْتُ وَلَا تَمَتَّعْتُ بَلْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَرَنْتُ وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقِرَانُ لَا يَحْتَمِلُ حَدِيثُهُ التَّأْوِيلَ إِلَّا بِتَعَسُّفٍ بِخِلَافِ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَوَّلِ الْحَالِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ رِوَايَةَ الْقِرَانِ جَاءَتْ عَنْ بِضْعَةِ عَشَرَ صَحَابِيًّا بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ بِخِلَافِ رِوَايَتَيِ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَهَذَا يَقْتَضِي رَفْعَ الشَّكِّ عَنْ ذَلِكَ وَالْمَصِيرَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا. (¬٣)
الحواشي:
(¬١) يُنظر "المعجم الأوسط" للطبراني ٦/ ٢٦٩ رقم ٦٣٨٤.
(¬٢) يُنظر "فتح الباري" لابن حجر ٣/ ٤٠٨.
(¬٣) يُنظر "فتح الباري" لابن حجر ٣/ ٤٢٧.