الجزء 3
شرح النووي على مسلم
الصفحة 4
(باب معنى قول الله ﷿ ولقد رآه نزلة أخرى)
وهل رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الاسراء
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ﵀ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ هَلْ رَأَى نَبِيُّنَا ﷺ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَأَنْكَرَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ كَمَا وَقَعَ هُنَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ وهو المشهور عن بن مَسْعُودٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وروى عن بن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَكَعْبٍ ﵄ وَالْحَسَنِ ﵀ وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذلك وحكى مثله عن بن مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَكَى أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ رَآهُ وَوَقَفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي هَذَا وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ وَسُؤَالُ مُوسَى إِيَّاهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهَا إِذْ لَا يَجْهَلُ نَبِيٌّ مَا يَجُوزُ أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَى رَبِّهِ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَةِ مُوسَى ﷺ رَبَّهُ وَفِي مُقْتَضَى الْآيَةِ وَرُؤْيَةِ الْجَبَلِ فَفِي جَوَابِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ هَلْ كَلَّمَ رَبَّهُ ﷾ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَمْ لَا فَحُكِيَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَقَوْمٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ كَلَّمَهُ وَعَزَا بَعْضُهُمْ هَذَا إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وبن مسعود وبن عَبَّاسٍ ﵄ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قوله تعالى ثم دنا فتدلى فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّي مُنْقَسِمٌ مَا بَيْنَ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ ﷺ أَوْ مُخْتَصٌّ بِأَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ وَمِنَ السدرة المنتهى وذكر عن بن عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ دُنُوٌّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى رَبِّهِ ﷾ أَوْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الدُّنُوُّ وَالتَّدَلِّي مُتَأَوَّلًا لَيْسَ عَلَى وَجْهِهِ بَلْ كَمَا قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَدَّ لَهُ وَمِنَ الْعِبَادِ بِالْحُدُودِ فَيَكُونُ مَعْنَى دُنُوِّ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ رَبِّهِ ﷾ وَقُرْبِهِ مِنْهُ ظُهُورُ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ لَدَيْهِ وَإِشْرَاقُ أَنْوَارِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِ وَإِطْلَاعُهُ مِنْ غَيْبِهِ وَأَسْرَارِ مَلَكُوتِهِ عَلَى مَا لَمْ يُطْلِعْ سِوَاهُ عَلَيْهِ وَالدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ إِظْهَارُ ذَلِكَ لَهُ وَعَظِيمُ بِرِّهِ