الصفحة 19
تفسير القرآن الثري الجامع
الجزء 10
سورة الأنفال [٨: ١٩]
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
الخطاب في هذه الآية موجَّه لكفار مكة: «أبو جهل، وجيشه»؛ على سبيل التّهكم.
﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، تستفتحوا: الألف، والسّين، والتّاء؛ تعني: الطّلب؛ أي: إن تطلبوا الفتح، والفتح: هو النّصر، والغلبة من دون قتال؛ فقد جاءكم الفتح؛ أي: النّصر على سبيل التّهكم، والاستهزاء، وقد قيل: إن المستفتح كان أبا جهل قبل معركة بدر، أو قيل: إنّ المشركين حين خرجوا للقاء محمّد ﷺ، وأصحابه أخذوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، أو قالوا: اللهم انصر أقْرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكنا للعاني؛ قاله السدي.
﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: أي: أن تطلبوا الفتح: النّصر، والظّفر من دون قتال، أو حرب في حرب رسول الله ﷺ، وأصحابه.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أي: جاءكم الفتح بسرعة. قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: أي: الهلاك، والقتل، والأسر على سبيل التّقريع، والتهكم.
﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: إن: شرطية؛ كالسّابقة.
﴿تَنْتَهُوا﴾: عن الكفر، ومحاربة رسول الله ﷺ، وعداوته.
﴿فَهُوَ﴾: الفاء: للتوكيد، هو: لزيادة التّوكيد.
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أي: أسلم لكم من القتل، والهلاك، والأسر.
﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، وإن تعودوا لمحاربته وقتاله؛ نعد إلى هزيمتكم، أو تعودوا إلى الاستفتاح نعد إلى الفتح على رسول الله ﷺ.
﴿وَلَنْ﴾: حرف نفي للمستقبل القريب، والبعيد.
﴿تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾: الفئة: الجماعة. ارجع إلى الآية (١٣) من سورة آل عمران؛ لتعريف الفئة.
﴿وَلَوْ﴾: شرطية.
﴿كَثُرَتْ﴾: في العدد، والعدة.
﴿وَأَنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إذا استقاموا على طاعته، وكانوا أنصار الله؛ فلن يتخلَّى عنهم.
لنقارن بين هذه الآية، والآية (٨) من سورة الإسراء:
الأنفال، آية (١٩): ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾.
الإسراء، آية (٨): ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾.
آية الأنفال: نزلت في كفار مكة، ودلت الآية على أنهم سيعودون إلى عداوة رسول الله ﷺ، والدّليل جاءت بصيغة المضارع، وإن تعودوا نعُد التي تدل على التّكرار، والتّجدد.
آية الإسراء: نزلت في بني إسرائيل، واليهود، وإن عدتم: عدتم؛ عدنا بصيغة الماضي، والّتي تدل على العودة مرة فقط، وينتهي الأمر.