الجزء 11
تفسير القرآن الثري الجامع
الصفحة 8
سورة التوبة [٩: ٩٤]
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾: هذا إخبار من الله لرسوله، وللمؤمنين عن المنافقين حين ترجعون من تبوك سيحاولون الاعتذار إليكم، ولذلك قال رسول الله ﷺ للصحابة: «لا تكلِّموهم، ولا تجالسوهم».
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾: الّذي يعتذر هو من يُبدي كلاماً ليخرجه من دائرة اللوم، والتّوبيخ على قولٍ أو فعل صدر منه مظنة أنّه ذمٌّ؛ فيطلب منه الصّفح.
﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾: ظرفية، زمانية؛ للاستقبال. رجعتم إليهم: أيْ: بعد رجوعكم من تبوك إلى المدينة.
﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ، والخطاب كذلك موجَّه إلى المؤمنين: لا: النّاهية. تعتذروا: بأيِّ عذر؛ لأنّه:
﴿لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾: لن: النّافية؛ للاستقبال القريب، والبعيد، وهي من أقوى حروف النّفي؛ أيْ: لن نؤمن لكم قريباً، أو بعيداً، نؤمن لكم: لن نصدقكم مهما قلتم، أو اعتذرتم.
﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد (قد ثبت وتحقق): أنّ الله نبَّأ رسوله ﷺ عن طريق الوحي عما فعلتموه، أو قلتموه في غيابنا عنكم.
إذن: علَّة النّهي عن الاعتذار لن نؤمن لكم؛ أيْ: لن نصدقكم.
وعلَّة عدم تصديكم؛ لأنّ الله نبأنا عن أخباركم.
وبعد أن رفض رسول الله ﷺ الاستماع إلى أعذارهم عندها أخبرهم بأنّ الله قد أخبره بما يخفوه في صدورهم من النّفاق، والكذب، وقال لهم: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾: السّين: للاستقبال القريب، سيرى الله عملكم: أتتوبون إلى ربكم وتنيبون إليه، وتستغفرونه؟ أم تستمرون على نفاقكم، وكفركم.
﴿وَرَسُولُهُ﴾: أيْ: وسيرى الرّسول من خلال إعلام الله له بطريق الوحي، ولم يقل: والمؤمنون؛ لأن المؤمنين لا يرون أعمال المنافقين القلبية الخفية؛ مثل: النّفاق، والكفر.
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ثم: للترتيب، والتّراخي. تردُّون: من الرّد، والرّد يكون ليس بإرادتكم، واختياركم؛ تردُّون بعد بعثكم يوم القيامة.
﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: الغيب: هو كل ما غاب، واستتر عن البشر، ما غاب من السّماء، والأرض؛ فهو يعلم، وعالم، فلا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٥)؛ للبيان.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: تعليلية. ينبئكم: يخبركم.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. ما: اسم موصول؛ بمعنى الّذي، أو مصدرية.
﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: العمل: يضم القول، والفعل؛ أيْ: يخبركم بأقوالكم، وأفعالكم في الدّنيا. ارجع إلى الآية (١٠٥)؛ للبيان، ومعرفة الفرق بين الآيتين (٩٤، و١٠٥).