الصفحة 89
تفسير القرآن الثري الجامع
الجزء 3
سورة آل عمران [٣: ٥٥]
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾:
﴿إِذْ﴾؛ أي: اذكر إذ: ظرف زمان؛ أي: اذكر إذ قال، أو حين قال.
﴿قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى﴾: حين ينادي الأعلى الأدنى باسمه المجرد: يا عيسى (ولم يقل: يا عيسى ابن مريم) هذا النداء فيه نوع من التحبب، والقربى، وحين يكون النداء من الأدنى إلى الأعلى باسمه المجرد يعتبر غير لائق.
﴿إِنِّى مُتَوَفِّيكَ﴾: إني: للتأكيد.
متوفيك: من الوفاة، والوفاة لها معانٍ متعددة.
١ - منها المرحلة التي تسبق الموت، وقبض الروح، الموت: كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
٢ - ومنها النوم: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ أي: منيمك ورافعك إليِّ.
٣ - ومنها أخذ الشيء وافياً؛ أي: قبضه، أو مثل استوفى دينه؛ أي: استرد دينه وافياً؛ أي: مستردك يا عيسى ورافعك إلي وافياً تاماً من غير أن ينال منك عدوك شيئاً.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾: الرفع الصعود، أو العروج، والواو: تدل على الترتيب، فالوفاة أولاً، والرفع ثانياً، وإذا كانت لا تدل على الترتيب ربما حدث الرفع أولاً، ثم الوفاة ثانياً.
﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: مُبعدك، ومبرئك من أقوال وأفعال الذين كفروا.
﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: اتبعوك: تشمل كل من صدق بك وبرسالتك، اتبعوا المنهج الحق.
فوق الذين كفروا: الفوقية هنا بالحجة، والبرهان، أو القوة والغلبة إلى أن يأتي يوم القيامة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لبيان معنى الذين كفروا.
﴿ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: ثم: للتريث والتراخي، إليَّ مرجعكم يوم القيامة فأحكم بينكم في أمر عيسى ﵇ ، أو فيما اختلفتم فيه من الأحكام في دنياكم، ومن هو على الحق، ومن هو على الباطل.
فأحكم بينكم وما هو الحكم؟
أخبر عنه في الآيتين القادمتين (٥٦، ٥٧).