الجزء 24
تفسير القرآن الثري الجامع
الصفحة 22
سورة الزمر [٣٩: ٥٣]
﴿قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾:
سبب النّزول: كما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس ﵄ أن أناساً من الّذين أشركوا وقتلوا وزنوا كبُرَ عليهم ذلك، وقالوا: نبعث إلى محمّد نسأله أو هم أتوا محمّداً ﷺ فسألوه: هل من توبة؟ فنزلت هذه الآية، وقد ذُكرت أسباب أخرى لنزول هذه الآية والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله يناديكم ربكم ويقول:
﴿يَاعِبَادِىَ﴾: يا النّداء للبعد، عبادي: ولم يقل: عبيدي، عبادي تعني: الّذين اختاروا الإيمان على الكفر والطّاعة على العصيان فشرفهم بإضافتهم إليه فقال: يا عبادي. ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة، والآية (١٨٦) من سورة البقرة لمعرفة الفرق بين عبيد، وعبادي، وعباد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد العموم.
﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: أفرطوا في ارتكاب المعاصي والذّنوب والآثام والسّيئات والإسراف هو تجاوز الحد في كلّ فعل يفعله الإنسان مما لا يحله الله تعالى.
﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾: ولم يقل: المسرفين (أي: صفة الإسراف عندهم ثابتة).
أسرفوا: أيْ: يمكنهم الكف عن الإسراف والعودة إلى الاعتدال.
والانتقال من صيغة المخاطب إلى صيغة الغائب للفت الانتباه.
﴿عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: على تفيد الاستعلاء والمشقة؛ لأنّ وبال الإسراف يعود على المسرف بالضّر والعذاب.
﴿لَا﴾: النّاهية للجنس ولكافة الأزمنة.
﴿تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾: القنوط هو أشد اليأس.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن للتوكيد.
﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾: تعليل للنهي عن القنوط من رحمة الله تعالى.
يغفر الذّنوب إلا الشّرك والكفر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النّساء: ١٦٦].
أي: إذا مات المشرك أو الكافر، ولم يتب، أمّا إذا تاب فإن الله يتوب عليه إن شاء؛ أي: يقبل توبته.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿إِنَّهُ هُوَ﴾: إنه للتوكيد هو للحصر والتّوكيد.
﴿الْغَفُورُ﴾: صيغة مبالغة أيْ: كثير الغفر أو الغفران ويعني: يمحو الذّنب ويعفو عنه ومهما عظم أو كثر إذا تاب الإنسان وأناب إلى ربه.
﴿الرَّحِيمُ﴾: كثير الرّحمة صيغة مبالغة على وزن فعيل رحيم؛ لأنّه لا يعجل بالعقوبة.