الجزء 11
تفسير القرآن الثري الجامع
الصفحة 46
سورة يونس [١٠: ٣]
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
بدلاً من العجب كيف أنزل الوحي إلى محمّد ﷺ كان عليكم أن تعجبوا من خلق السّموات والأرض في ستة أيام.
فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾: إنّ: للتوكيد، ربكم الله: ربكم: الرّب في اللغة: المالك، والمدبر، والمربي، والقيم، والرّازق، والمنعم. الله: سبحانه تشير أنّه المعبود الحقّ، والإله الحقّ الّذي يستحق العبادة؛ لأنّه سبحانه ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٥٤)، وسورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩)، وسورة الأنبياء، آية (٣٠)؛ للبيان.
﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: قد تعني: ستَّ مراحل، وكلّ مرحلة تمثل بيوم، واليوم طوله بلايين السنين، ويُعينُ على تفسير ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثمّ: هنا تفيد التفاوت بالمرتبة بين الاستواء على العرش: هو أكبر وأعظم المخلوقات، وأعظم من خلق السّموات والأرض الذي هو بدوره أكبر من خلق الناس، كما أشارت إلى ذلك الآية (٥٧) من سورة غافر.
﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: استواءً يليق بذاته، وصفاته، وفي إطار ليس كمثله شيء، والاستواء: لا يدلُّ على مكان محدَّد؛ لأنّه سبحانه مُنزَّه أن يكون محدداً بمكان، أو زمان، والعرش فسره بعض العلماء بالملك، والسّلطان، والقدرة، والتّدبير، والعرش: لا يُقدر بقدر، وهو من الأمور الغيبية.
والكرسي فسِّر بالعلم، والسّموات السّبع، والأرض بالنّسبة للعرش كحلقة في فلاة. ارجع إلى سورة هود آية (٧) للبيان.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: الأمر: يضم كلّ شيء وزيادة، يدبِّر أيَّ أمر حسب مشيئته، وحكمته، وعلمه، وإرادته تدبير محكم، يدبر: يعني: ينظم، يقدِّر ويقضي، يدبر الأمر جاء لينفي التّعجب؛ فالّذي خلق هو الّذي يدبر الأمر، أمر الكون، وأمر الخلق.
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾: ما: النّافية. من: الاستغراقية، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع. شفيع: صيغة مبالغة من شافع، وهو الّذي يطلب العفو لشخص آخر، وتكون في ذنب، أو تقصير في حق الله، والشفاعة لا بُدَّ لها من شروط، هي: إذن من الله، ورضا، والمشفوع له مؤهَّل للشفاعة، وكذلك الشّافع مؤهَّل للشفاعة؛ كقوله سبحانه: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾، والشّفاعة الباطلة المزعومة شفاعة الأصنام، والأوثان… وغيرها من الآلهة المعبودة، واللات، والعزى: فليس لهذه شفاعة أصلاً عند الله سبحانه.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ذلكم: اسم إشارة؛ يفيد البعد؛ أي: التعظيم، والعلو، والتّوكيد، ولم يقل: ذلك، وإنما ذلكم؛ أيْ: ذلكم العظيم الّذي خلق السّموات والأرض، ثم استوى على العرش، والّذي يدبِّر الأمر: هو الله الّذي يستحق العبادة وحده، ويستحق التّعظيم، والشّكر، والحمد.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: وحده، والفاء: تفيد التّوكيد، والتّعليل.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: الهمزة: للاستفهام، الفاء: للتوكيد. ألّا: أداة حضٍّ، وحثٍّ، وطلب، وتنبيه للسامع الّذي قد يكون غافلاً.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: ولم يقل: تتذكرون؛ أيْ: لستم بحاجة إلى وقت طويل لتذكروا عظمة الخالق؛ لأن أدنى تذكُّر بخلق هذه السموات والأرض كافٍ للدلالة على عظمة الخالق المدبِّر.